محمد محمد أبو ليلة

129

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

أولا : دعواه بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان قد شرع في كتابة القرآن ، لكن مشاغل الدولة كانت قد حالت بينه وبين تحقيق هذا الغرض بصورة كاملة ، وأنه إنما ترك المهمة برمّتها لكتّاب الوحي ؛ كلام سقيم وغير مستقيم ، فالنبي صلى اللّه عليه وسلم كان يحفظ القرآن الذي ينزل عليه ، يصلى به ويحكم به ، ويرتله ، ويعلمه ، ويدارسه ، ويسمعه من غيره ، ولم يشغله شئ البتّة عنه ، لا الدولة ولا غيرها ؛ بل إن القرآن كان هو دستور الدولة وقانون حاكمها ورعاياها . وكيف ينشغل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن القرآن ، وبالقرآن عقدت نبوته ، وتمت عصمته ، وجرت معجزته ، وتأسست دولته ، واشتهرت أخلاقه ، وطارت دعوته في الخافقين ، ودان الأبيض والأسود برسالته . كان القرآن محفوظا في حياته صلى اللّه عليه وسلم في صدور الناس ، ومكتوبا على ما تسنى لهم من مواد ، كالصحف والجريد والظرر ( الحجارة الصغيرة المدورة ، جمع " ظرار " ) ، وفي اللخاف وعلى الخزف والحرير وقطع الأديم . قال الحاكم في المستدرك : " جمع القرآن ثلاث مرات ، مرة بحضرة النبي صلى اللّه عليه وسلم " . وأورد في ذلك حديثا ، أخرجه بسنده على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال : " كنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع . . . الحديث ) « 1 » . وقال الإمام أبو عبد اللّه الحارث بن أسد المحاسبي ، في كتاب " فهم السنن " : " كتابة القرآن ليست محدثة فإنه صلى اللّه عليه وسلم كان يأمر بكتابته ، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب ، وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان ، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيها القرآن منتشر ، فجمعها جامع ، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء " . وقال محمد بن إسحاق في " الفهرست " : " وكان القرآن مكتوبا بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في اللخاف والعسب وأكتاف الإبل " « 2 » . روى العياشي من كبار محدثي الإمامية في تفسيره قال على كرم اللّه وجهه : " إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أوصاني إذا واريته في حفرته ،

--> ( 1 ) الإتقان ج 1 ص 168 . ابن عطية المحرر الوجيز ج 1 ص 53 ، 54 ، والزركشي . البرهان في علوم القرآن ج 1 ص 236 - 238 وابن النديم . الفهرست ص 41 . ( 2 ) الفهرست ص 41 .